L'Algérie de plus près

اسمه رشيد زايد

عرف ثقافيا واعلاميا بريشته الذهبية. قلمه ظل ينبض بارقى التعابير في كتابات ادبية وصحفية رفعت من شأنه ودونت بصماته باحرف من ذهب.ثم فجأة غادر دنيانا في فراق حزين تاركا الاهل والاحبة والاصدقاء الكثيرين في حيرة من امره

هو الرجل العظيم صاحب القلم الذهبي صالح زايد ابن سكيكدة، خريج المدرسة الوطنية العليا للصحافة. فيها التقينا ومنها نسجنا صداقة حميمية، ظلت قوية ومثالية الى ان فرق بيننا الموت

قال لي في اول لقاء بعد سماعه صوتي بفناء المدسة وبلكنة سكيكدية قحة انت « ديالنا واش هي احوال القل ». وعندما لاحظ عني نوعا من الاندهاش استرسل قائلا « نحن ابناء ولاية سكيكدة » ونطقها بكل كبرياء وعز وكأنها كلمة مرور، قبل أن يضيف: « انا من سطورة » يقولوا لي رشيد. بهذه السرعة تم التعارف بيننا وكأننا رفقاء عمر الصبا. كان يبدو لي أنه يكبرني سنا. وهو ما كشفته لاحقا. فقد التحق بالجامعة في سن متقدمة. كما انه اعاد التسجيل عدة مرات لاسباب صحية. فكان كثير التردد على مستشفى الامراض العقلية بالحروش ويمكت به طويلا الى غاية استرجاع قواه العصبية. وهكذا دواليك. فهدوءه كثيرا ما يتحول الى عصبية. المهم انا شخصيا وجدت فيه شخصية متزنة قوية جدا تكتنز رصيدا معرفيا ثاقبا، ارتحت له كثيرا. وفي الحقيقة اكتشفت ان اغلبية الطلبة يرتاحون اليه من معربين ومفرنسسن، ذكورا واناثا. هو الذي يدخل البهجة والانشراح في الوسط الطلابي عند كل لقاء به خارج أوقات الدراسة في مبنى « جاك كارتيي » الشهير، بوسط العاصمة وفي الحي الجامعي « روفوال » بالعناصر، حيث كنا نقيم. هو مغرم بالنكتة ويحفظ الكثير منها وقد حفظت شخصيا العديد من نكثه التي تثير الضحك إلى حد الثمالة

مع صالح زايد كان الوقت يمضي بسرعة. هو مرح جدا خارج أوقات الدراسة وجاد جدا داخل القسم. يقدر العلم ويعطيه كل الاهتمام. نقاشه في الدروس التطبيقية كثيرا ما يخلق الاستثناء والتشويق. وقد كان لي معه عدة ابحاث جامعية انجزناها بمعايير اكاديمية نالت التقدير و الاعجاب سواء من قبل الاستاذة او الزملاء. ومن بين ما يبقى عالقا في الذاكرة : « صورة الثورة الجزائرية في كتابات فرانز فانون » و « الحرب الاهلية اللبنانية صرع طبقي ام طائفي » وما اكثرها البحوث التي جمعتنا ومن اجلها انتهجنا معا الرجوع الى ما لا يعد من المؤلفات و شتى المراجع ذات الصلة بموضوع البحث. وما اذكره ان صالح زايد كان كثير التنقيت في امهات الكتب وخاصة منها ما يتعلق بالادب العربي بمختلف اجناسه. ولايفوته اي إصدار جديد الا ويقتنيه. كما لا تفوته اي مسرحية او فيلم روائي جديد الا ويكون حاضرا في المسرح او قاعة السينما. قد يصرف من اجل ذلك ما امتلكه من اموال ميسورة. فالكتابة عنده والمواعيد الثقافية لا يفوتها مثل علبة السجائر افراز

في النقاشات العامة والدوائر الفكرية لصالح زايد حضور متميز. هو جد متفتح على الفكر الإنساني يعشق قوة الكلمة وقوة مناقشة اي فكرة. يصعب تصنيفه في خانة فكرية معينة يناقش بهدوء وروية يقطف من كل حقل وردة فينال رضا التيارات البارزة في الوسط الجامعي من ماركسيين وتروتسكيين وبعثيين ووطنيين والبعض من الاسلاميين المتنورين. هو يعشق كثيرا البشير الابراهيمي في قوة وفصاحة لغته ويدافع عن ابن باديس في فكره الاصلاحي وسماحته. ويبدي انسجاما كبيرا مع صاحب « نجمة » المبدع الكبير كاتب ياسين في تمرده وفكره الذي لا يهادن فيه احدا. هو قاريء جيد للادب العربي، يعشق كثيرا توفيق الحكيم وتستلهمه اكثر ثلاثية نجيب محفوظ

ونحن طلبة، شق صالح زايد دربه في الحياة المهنية من خلال المجاهد الأسبوعي. فانضم الى فطاحلة الاسماء الاعلامية الكبيرة التي استقطبتها هذه الأسبوعية الشهيرة كلسان مركزي للحزب الحاكم، جبهة التحرير الوطني. وفي مدة قصيرة برز نجمه في هذه الصحيفة كقلم متميز يجيد تناول القضايا الثقافية والفنية والفكرية. وكثيرا ما كانت مقالاته مصدر افتخار لنا كطلبة فنعتبرها نموذجا للاقتداء

صالح زايد خانته ظروف الحياة بعد التخرج. لقد تفرق شمل الطلبة. ولم يعد يجد من ياويه في الحي الجامعي بعد ان كان معززا في اقامة « روفيال » التي قضى بها مدة الدراسة « كلوندو » عند الاصدقاء لان سنه انذاك لم يكن يسمح له الاستفاذة من غرفة جامعية

عاد اذن الى مدينة المهد سكيكدة في ظروف اجتماعية تذكره بالماضي التعيس ولا تناسب مثقفا كبيرا وصحفيا لامعا مثل هذه الشخصية. وظفته شركة النشر والتوزيع « لاسناد » ثم دارت عليه. بصيص الامل الذي انقذ حياته تعاونه مع جريدة النصر التي كان يكتب لها عموده الشهير « قضية وموقف ». وبعض المقالات حول مسرح سكيكدة يصيغه في قالب فني مشوق. كما تعاون مع الاذاعة الوطنية في حصة شهيرة بعنوان « مغرب الشعوب ». وفي هذه الاثناء وبتدخل فرع اتحاد الكتاب لولاية سكيكدة استفاد من سكن اجتماعي وهو يطوي نصف عقده الخامس. وعندها لاحت بوادر الاستقرار فاختار له شريكة للحياة كانت من بين الحاضرات في آخر دورة لملتقى « الادب والثورة »، وهي معلمة من مدينة الذرعان

يا لها من مفاجأة اليمة. عشية عقد القران جاءني ليلا هاتف الصديق الشاعر ادريس بوديبة يخبرني بالفاجعة الأليمة بصوت حزين قال لي صالح زائد الله يرحم وامام صمتي اضاف: لقد انتحر

هي نهاية حزينة لكاتب كبير وصحفي مثقف قذفت به الظروف الى خيار الانتحار. رحل على متن سيارة اجرة الى قسنطينة ورمى بنفسه منتحرا من أعلى احد جسور ها، جسر باب القنطرة. كانت هي رحلة الحياة الاخيرة. كم هي اليمة هذه النهاية لصديق غالي كان من اعز رفقاء الدرب

عمار الصافي

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *